عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

26

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

وما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ ( 15 ) وقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ( 16 ) * ( وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ ) * وما ينتظر قومك أو الأحزاب فإنهم كالحضور لاستحضارهم بالذكر ، أو حضورهم في علم اللَّه تعالى : * ( إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ) * هي النفخة الأولى . * ( ما لَها مِنْ فَواقٍ ) * من توقف مقدار فواق وهو ما بين الحلبتين ، أو رجوع وترداد فإنه فيه يرجع اللبن إلى الضرع ، وقرأ حمزة والكسائي بالضم وهما لغتان . * ( وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ) * قسطنا من العذاب الذي توعدنا به ، أو الجنة التي تعدها للمؤمنين وهو من قطه إذا قطعه ، وقيل لصحيفة الجائزة قط لأنها قطعة من القرطاس وقد فسر بها أي : عجل لنا صحيفة أعمالنا للنظر فيها . * ( قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ ) * استعجلوا ذلك استهزاء . اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّه أَوَّابٌ ( 17 ) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَه يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإِشْراقِ ( 18 ) * ( اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ) * واذكر لهم قصته تعظيما للمعصية في أعينهم ، فإنه مع علو شأنه واختصاصه بعظائم النعم والمكرمات لما أتى صغيرة نزل عن منزلته ووبخه الملائكة بالتمثيل والتعريض حتى تفطن فاستغفر ربه وأناب فما الظن بالكفرة وأهل الطغيان ، أو تذكر قصته وصن نفسك أن تزل فيلقاك ما لقيه من المعاتبة على إهمال عنان نفسه أدنى إهمال . * ( ذَا الأَيْدِ ) * ذا القوة يقال فلان أيد وذو أيد وآد وأياد بمعنى . * ( إِنَّه أَوَّابٌ ) * رجاع إلى مرضاة اللَّه تعالى ، وهو تعليل ل * ( الأَيْدِ ) * ودليل على أن المراد به القوة في الدين ، وكان يصوم يوما ويفطر يوما ويقوم نصف الليل . * ( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَه يُسَبِّحْنَ ) * قد مر تفسيره ، و * ( يُسَبِّحْنَ ) * حال وضع موضع مسبحات لاستحضار الحال الماضية والدلالة على تجدد التسبيح حالا بعد حال . * ( بِالْعَشِيِّ والإِشْراقِ ) * ووقت الإشراق وهو حين تشرق الشمس أي تضيء ويصفو شعاعها وهو وقت الضحى ، وأما شروقها فطلوعها يقال شرقت الشمس ولما تشرق . وعن أم هانئ رضي الله عنها : أنه عليه الصلاة والسلام صلى صلاة الضحى وقال « هذه صلاة الإشراق » . وعن ابن عباس رضي اللَّه عنهما : ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية . والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَه أَوَّابٌ ( 19 ) وشَدَدْنا مُلْكَه وآتَيْناه الْحِكْمَةَ وفَصْلَ الْخِطابِ ( 20 ) * ( وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ) * إليه من كل جانب ، وإنما لم يراع المطابقة بين الحالين لأن الحشر جملة أدل على القدرة منه مدرجا ، وقرئ « والطير محشورة » بالمبتدأ والخبر . * ( كُلٌّ لَه أَوَّابٌ ) * كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح ، والفرق بينه وبين ما قبله أنه يدل على الموافقة في التسبيح وهذا على المداومة عليها ، أو كل منهما ومن داود عليه السلام مرجع للَّه التسبيح . * ( وَشَدَدْنا مُلْكَه ) * وقويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود ، وقرئ بالتشديد للمبالغة . قيل : إن رجلا ادعى بقرة على آخر وعجز عن البيان ، فأوحى إليه أن اقتل المدعى عليه فأعلمه فقال : صدقت إني قتلت أباه وأخذت البقرة فعظمت بذلك هيبته . * ( وآتَيْناه الْحِكْمَةَ ) * النبوة أو كمال العلم وإتقان العمل . * ( وفَصْلَ الْخِطابِ ) * وفصل الخصام بتمييز الحق عن الباطل ، أو الكلام المخلص الذي ينبه المخاطب على المقصود من غير التباس يراعى فيه مظان الفصل والوصل والعطف والاستئناف ، والإضمار والإظهار والحذف والتكرار ونحوها ، وإنما سمي به أما بعد لأنه يفصل المقصود عما سبق مقدمة له من الحمد والصلاة ، وقيل هو الخطاب القصد الذي ليس فيه اختصار مخل ولا إشباع ممل كما جاء في وصف كلام الرسول عليه الصلاة والسلام « فصل لا نزر ولا هذر » .